الدرس الأخير لصانع العطور

incense smells description from an old man

أود أن أبدأ بالقول إن هذه قصة حقيقية، واقعية وموثقة.

الهدف من مشاركتها ليس التنميق، بل نقل العبرة منها. لذا سأبقيها مباشرة، دون إضافات غير ضرورية.incense smells best practices

لم أكن حاضراً حين وقعت هذه القصة، ولا جدي أيضاً. تعود القصة لسنوات طويلة، إلى زمن كان فيه مؤسس الدار، السيد العطار، قد بنى اسماً راسخاً مما بدأ كمتجر صغير جداً. كانت سمعته معروفة في كل مكان، فقد كان رجلاً ملتزماً، متديناً، عالماً، وعطاراً.

كان من بين مقتنياته زجاجة كبيرة جداً، مليئة بأجود وأندر وأغلى الزيوت التي جمعها في حياته. كانت تفوح منها روائح بخور زكية. لم يكن هذا الزيت للبيع، ولم يُعرض يوماً، ولم يُشارك، ولم يُطلب منه حتى عينة، وعلى عكس كل الزيوت والعطور الأخرى، لم يكن له اسم أو وصف.

اعتقد أبناؤه أنها ببساطة واحدة من عاداته غير المألوفة أو تجاربه، فحياته كانت دائماً مليئة بمثل هذه الألغاز.oil bottles incense smells

لكن بمرور الوقت، بدأوا يلاحظون شيئاً غريباً: مستوى الزيت في الزجاجة كان ينقص ببطء.

وفي الوقت نفسه، كان والدهم يختفي لبضع ساعات كل أسبوع، عادةً في أيام الجمعة، وكان أحياناً يأخذ معه حقيبة صغيرة.

استمر هذا لسنوات.

كان الأبناء يمزحون حول الأمر ويسمونها "الزجاجة المتلاشية". لم يفهموا الغرض منها، كانوا يعرفون فقط أنها تحتوي على شيء ثمين للغاية، وأنها تنفد ببطء، في حين كانت العائلة أحياناً بحاجة للمال أو لمنتج لبيعه وكان ذلك الزيت قابعاً هناك دون فائدة.

في مرحلة ما، تساءلوا حتى إن كان والدهم يمارس نوعاً من الأعمال الجانبية، لكن الأمر لم يكن منطقياً. لمن كان يعطيها بحيث لا يمكنهم رؤيته أو شم رائحته أو التعرف عليه؟ ولماذا لا يبيعها في المتجر ككل شيء آخر؟

incense smells description from an old man

عندما كانوا يسألونه، كان يجيب ببساطة:
"لا تقلقوا بشأن هذا الأمر".

كانت العائلة تقول غالباً إنه يتحدث بالألغاز؛ أحياناً يجيب باقتباسات، وغالباً ما يكتفي بالابتسام وقول: "في الوقت المناسب".

مرت السنوات، وتوقفوا في النهاية عن التساؤل تماماً.

حتى عندما كبر وضعف، وأصبح المشي صعباً عليه، واصل خروجه الأسبوعي.

في أحد الأيام، قال له أبناؤه:
"لماذا لا ترتاح؟ يمكننا نحن تولي كل شيء."

فأجاب:
"لم تكونوا مستعدين بعد".

شعروا بالحيرة وسألوه:
"ماذا تقصد؟ نحن نعرف عن الزهور والأخشاب والزيوت أكثر من أي شخص آخر."

نظر إليهم وقال:
"لم تتعلموا الدرس الأخير بعد."

آه، لغز آخر من ألغازه! هكذا فكروا.

قبل وفاته، أعطاهم بعض التعليمات، كانت كلها تتعلق بالحكمة والسلوك، لكن تعليمية واحدة فقط كانت تتعلق بفن العطور الحسي.

كان قد جهز بخوراً خاصاً، وأراد أن يتم إشعاله فوراً في جنازته.

incense smells in ancience egypt

بدا طلباً غير مألوف، لكنه مناسب في الوقت ذاته؛ فقد كان عطاراً، والعطر كان حب حياته.

وعندما توفي، نفذوا طلبه وأشعلوا البخور.

كانت روائح البخور عميقة، ثقيلة، ودخانية، غنية بالزيت. كان ذلك اليوم بارداً وعاصفاً.

بعد فترة، بدأوا يلاحظون وصول أناس، رجال لم يعرفوهم. لم يكونوا عملاء، أو علماء، أو وجوهاً مألوفة من دوائرهم.

بعضهم كان ذو مظهر خشن، وكثير منهم كانوا يبكون. لم يكن بكاءً هادئاً، بل كان حزناً مؤلماً لا يمكن السيطرة عليه.

كما لو أنهم فقدوا شخصاً يعني لهم الكثير.

incense smells traditions

في البداية، افترضت العائلة أنه لا بد من وجود خطأ ما، وأن هؤلاء الرجال خلطوا بين والدهم وشخص آخر، أو ربما كانوا أقارب بعيدين لأشخاص عرفهم يوماً.

لكن الأعداد كانت في تزايد مستمر.

وصل المزيد والمزيد من الناس.

بحلول المساء، وقت الدفن، كان المكان يفيض بالناس، وعندما حملوه للخارج، رأوا الشوارع ممتلئة.

مئات.

لم يروا شيئاً كهذا من قبل، لم يكن هذا أمراً عادياً.

اقتربت العائلة من بعض الرجال وقالوا:
"شكراً لحضوركم. هل كنتم تعرفون والدنا؟"

فأجاب الرجال:
"لا... لم نكن نعرفه."

سألت العائلة بحيرة:
"إذن لا بد أنه كان يعرفكم؟"

فأجابوا:
"لا. لم يكن يعرفنا. لم نعرف اسمه يوماً، ولم نرَ وجهه قط."

توقفوا قليلاً... ثم قالوا:

"لكننا عرفنا رائحته."

وأوضحوا قائلين:

كانت رائحة لا يمكن أن ننساها أبداً. نفس الرائحة التي كانت تصل إلينا في أحلك الأماكن؛ الزنازين التي نسينا فيها العالم.

أحياناً كانت تأتي مع الطعام، وأحياناً مع الملابس، وأحياناً مع الكتب... أو سجادات الصلاة.

كانت تُرسل بهدوء؛ عن طريق صبي، أو ينقلها حراس لم يكونوا يعرفون بدورهم من أرسلها. حتى الحراس كانوا يتلقون المال دون معرفة مصدره.

كنا نسأل مرات عديدة:
"من هو الرجل الذي يقف وراء هذا؟"

لم يعرف أحد. لسنوات تساءلنا، غادر الكثيرون السجن وبدأوا حياة جديدة لكننا لم ننسَ الرائحة قط. إنها نفس الرائحة التي شممناها اليوم، وعرفنا أنه والدكم.

الرائحة.

وهذه الرائحة قادتهم إلى هنا.

قال أحدهم:

"لقد كان الرجل الذي أعطانا الأمل، بالنسبة لكم قد يكون هذا مجرد بخور، أما بالنسبة لنا فقد كان الأمل."

في تلك اللحظة، أدرك أبناؤه الحقيقة.

والدهم لم يكن موجوداً—

لكن أثره كان كذلك.

ذلك...

كان هو الدرس الأخير.

العودة إلى المدونة